|
آشور
كيواركيس – بيروت
جريدة إيلاف:
16/09/2003 – صفحة "أصداء"
المسألة الآشوريّة وحقُّ تقرير المصير
في عُهدة البائسين...
يتفق العلماء بأن الحضارات قد تكوّنت عبر حقبات التاريخ من مرحلة الصيد إلى الرّعي ثم الزراعة
ثمّ البناء الحضاري الذي تمثل بمجتمعات قائمة على أسس الترابط العرقي بوحدة التقاليد
والأرض والتاريخ، لتتكوّن القوميات من خلال ذلك الترابط بمميّزات خاصّة لكل منها.
وقد أدّى نشوء الحضارات وتعدّدها على هذا الكوكب إلى صراع لا
متناهي خصوصاً فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط لأسباب أغلبها إقتصادية أوجدنها
دائماً دول الغرب بسبب وقوع المنطقة
ضمن طريق الحرير(The Silk Road) (1) وباستغلالها التنوّع
الديني لشعوب هذه المنطقة.
واليوم، الثروات النفطية هي التي تجذب مؤامرات الدول العظمى
وفِتَنِها باستغلالها لميزة المنطقة كمنشأ الأديان السماوية، فالعقليّة الشرقيّة
بعنفوانها الديني والمذهبي كانت سبباً في إبادة الملايين عبر التاريخ حيث تجتمع
المسيحيّة والإسلام واليهودية، ولا يتفق أتباعها إلاّ على عبادة الله بينما
لا يعترف البعض منها بكل ما يتعلق بالتطوّر والقبول بالآخر –
ناهيك عن دوافع أخرى مسببة للعداء بين
الشعوب التي تنتمي إلى هذه الأديان، ذلك انطلاقاً من أيديولوجيات قومية أفرزت
تطلعات متضادّة تصُبّ في خانة "الصراع من أجل الوجود" ضمن البقعة الجغرافية المشتركة،
وطالما تستمر مشكلة "صراع الأديان" و "صراع الحضارات"
بدون ذكرها بصراحة ومعالجتها، فإنها تتفاقم لتزيد من الكراهية بين شعوب الشرق
الأوسط، لتكون الشعوب الأصيلة "كبش المحرقة" في صراع الدخلاء ومن هذه الشعوب سنتناول الشعب الآشوري الأصيل في المنطقة،
الذي عانى منذ قرون وما يزال يعاني فيما لا تزال قضيّته الحقة تسحَق بين مطرقة
الغرب الإمبريالي وسندان الجار المتخلف...
ليست المسألة الآشوريّة إلاّ مشكلة خلقها الدخلاء على الوطن القومي
الآشوري لتأخذ شكل "قضيّة" وتتفاعل في عدّة أوجه حينما تواجه القوميّة الآشورية
مشكلة مصيريّة انطلاقاً من الإنتماء العرقي أو الديني، فالمسألة الآشورية دخلت
في القرن الماضي إلى حلبة "المشاكل" في الشرق الأوسط من مدخلين؛ الأوّل ديني
يعود تاريخه إلى اعتناق الآشوريين المسيحية في القرون الأولى للميلاد، والثاني
قومي يتمثل بالمعاناة من منطلق إثني بعد الإنتفاضة القومية الأولى عام 1915
في عهد البطريرك الشهيد مار بنيامين شمعون.
وينتمي الشعب الآشوري إلى آشور (المعروفة ببلاد ما بين
النهرين)، وهو الشعب الذي أسّس أوّل "دولة" في التاريخ وكان ذلك في الحقبة الآكادية ولغته
هي الآشوريّة الحديثة {الآشورية القديمة (الآكادية)، المتأثرة بالآرامية} والتي
بدأ استعمالها منذ عهد الملك الآشوري "سنحريب"(705-681 ق.م) والتي تعرف أيضاً
باللغة "السُّريانية" في الأدبيّات الكنسيّة نسبة إلى انتشارها بواسطة كنيسة
المشرق التي عُرفت بالسُّريانية.
وبعد مجئ السيّد المسيح اعتنق الآشوريّون المسيحيّة على
يد القدّيسين الرسل في القرن الأول الميلادي (رسالة بطرس الأولى: 13:5) وكان
ذلك سبباً للمجازر بحقّهم وتحديداً في عهد الملك الفارسي شابور الثاني في القرن
الرابع للميلاد، ثم عهد الخلافة الإسلامية فالدولة العثمانية التي اصطبغ تاريخها
بدماء كافة رعاياها وخصوصاً المسيحيين منهم. ويبلغ تعداد الآشوريين في العالم
حوالي 3.2 مليون، يعيش قسمٌ كبيرٌ منهم في دول الشتات بعد أن تمّ تهجيره قسراً،
فيما لا يزال القسم الآخر يعيش تحت تهديد معظم جيرانه منذ تعاقبهم على بلاد
آشور عبر التاريخ.
1-
سُخريَة القدر (لمحة تاريخيّة)
إن الأطماع الغربية في المنطقة منذ قرون، كان لها دور
أساسي في المصائب التي تعرّض لها الآشوريون، فبعد اتفاقيّة عام 1535 بين الدولة
العثمانية وفرنسا سُمح للأخيرة بإرسال "المبشرين" إلى الأراضي التي كانت تحت
سيطرة العثمانيين، فبدأت الهجمة الكاثوليكيّة على كنيسة المشرق من قبل إرساليات
الدومينبكان والكبوشيين واليسوعيين والكرمليين... وانتهى ذلك إلى فصل قسم من
الآشوريين عن تراثهم الكنسي المشرقي العريق لينضمّوا إلى الكثلكة في 9/4/1553،
ثمّ عظمت هذه الكنيسة تحت ضغط التعذيب من قبل الأكراد (!) الذين كانت الإرساليات
تحرّضهم بأموالها ليجبروا القرويين الفقراء على ممارسة الطقوس الكاثوليكية في
كنائسهم(2)، وهكذا ولدت من المعاناة كنيسة جديدة في المجتمع
الآشوري، وانتشرت في سهول آشور منذ منتصف القرن التاسع عشر وتعرَف اليوم بالكنيسة "الكلدانية"
وهي متحدة مع روما (Uniat Church).
وطالما استنجد الآشوريون بالدول المسيحيّة المجاورة للتخلص
من اضطهاد المسلمين في المنطقة، وقد أعطى المفكّر فريدريك أنجلز مثلاً
عن ذلك في إحدى رسائله لكارل ماركس حيث قال: "طالما أنّ المسيحيين ما زالوا يُضطهدون من قبل العثمانيين،
فبالتأكيد سينظرون إلى الكنيسة الأورثوذوكسيّة وقائد الستين مليون أورثوذوكسي
كائناً من كان، كمحررهم وحاميهم" (3). وإنّ ما يؤكد أقوال
أنجلز هي رسالة البطريرك مار روئيل شمعون فيما بعد الى الملك الروسي ميخائيل(4)
بتاريخ 14/أيّار/ 1868، حيث يقول البطريرك في رسالته مُستنجداً: "… نحن أمّة فقيرة
بالكاد تحصل على خبزها... لقد أخذ الأكراد الكثير من كنائسنا وأديرتنا واختطفوا النساء والعذارى وأجبروهن
على اعتناق الإسلام فيما الأتراك أسوأ منهم، فقد أخذوا ممتلكاتنا وشدّدوا علينا
الضرائب، كما أن الأكراد أيضاً يأخذون مالنا باعتبار أننا عبيدهم (كمسيحيين
- الكاتب)... لذلك نناشدكم بإسم سيّدنا المسيح ومعموديّته وصليبه المقدّس بأن تحرّرونا
من هذه الدولة أو تجدوا لنا أي حلّ..." (5).
واستمرّت معاناة الآشوريين بدون اهتمام الروس لدرجة أن
انضمّ 30 ألف من آشوريي إيران إلى الكنيسة الروسية الأورثوذوكسيّة في 24/03/1898
بشرط أن تحميهم روسيا من الأسلمة والإضطهاد، وبذلك نسيَت الإرساليات الأنكليزية
والفرنسية صراعها من أجل السيطرة على كنيسة المشرق، واتحدتا لمنافسة الكنيسة
الروسيّة فبدأتا ببث الفتن لدى الإيرانيين والسلطان العثماني مدَّعيتين بأن الآشوريين
يتعاملون مع الروس مما أدّى إلى هجرة الكثير من الآشوريين إلى روسيا في القرن
التاسع عشر، وخصوصاً من السهول (كاور، ألبق، سالامس). ولم يجد الروس الوقت المناسب
لذلك "التحرير" الذي كان يطالب به الآشوريون، إلاّ في الحرب العالمية الأولى
حين بدأت بوادر المذبحة العامّة للمسيحيين تلوح في أفق السماء التركية، وحين
شعر الروس بتهديد خطير من قبل الأتراك والألمان على الجبهة الشرقية (جبال القوقاز)
فاستغلت أحوال المسيحيين في ما يُعرَف اليوم بتركيا، واعدة إيّاهم بالإستقلال
والحرية بعد المعاناة على مدى القرون، في حال انضمامهم إلى الحلفاء (تماماً
كما فعلت بريطانيا مع العرب عام 1916، ولكنها حقّقت لهم الإستقلال في النهاية).
وقبيل بداية الحرب العالمية الأولى كانت قد بدأت النزعة
القوميّة تغزو مجتمعات الشرق الأوسط من أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر تأثراً
بالثورة الفرنسية، وبدأت شعوب المنطقة تتحوّل من العنصرية الدينية إلى القومية،
فقد أسّس الأتراك في تمّوز 1908 جمعيّة "تركيا الفتاة" التي تطوّرت إلى "حزب
الإتحاد والترقي" الذي دعا إلى تتريك كافة القوميات المتواجدة على الأراضي التي
ما زالت تركيا تعتبرها حتى اليوم تركيّة، كما أسّس العرب جمعيّة "العهد" السرية
وجمعيّة "العربيّة الفتاة" التي لعبَت دوراً كبيراً في الحرب العالمية الأولى،
في إقناع الحسين بن علي (شريف مكة) بالإنضمام إلى الحلفاء على أساس قومي "عربي"
بعد أن كان قد أعلن وقوفه ضدّهم في بداية الحرب إلى جانب العثمانيين على أساس
ديني "إسلامي" (وتحديداً "سنّي")، وفيما كان العرب يتعاونون مع الإنكليز لنيل حرّيتهم،
كان الإنكليز يبادلونهم التعاون للسيطرة على بترول الشرق، وذلك باعتراف لورانس
العرب (6).
وكما العرب، خاض الشعب الآشوري الحرب العالمية الأولى
إلى جانب الحلفاء سعياً لللإستقلال والتخلص من ظلم العثمانيين، وعُرف في المنابر
الدولية بعبارة "الحليف الأصغر" وخلال ذلك تعرّض للمجازر التي أودت بحياة ثلثي
الأمّة الآشورية آنذاك. وتعتبر مجازر الآشوريين في الحرب العالمية الأولى مجازراً
قومية ودينية في آن، فالهدف من خوض الآشوريين الحرب كان التحرّر من الظلم وتأسيس
الدولة الآشوريّة في وطنهم التاريخي وممارسة حقهم في تقرير مصيرهم، وبعد خوض
الآشوريين معاركاً ضارية ضدّ الفرس والأتراك والقبائل الكردية، وخسارة أكثر من
200 ألف آشوري (فقط خلال أوّل سنتين من الحرب)، أعدّ نخبة من القادة والمثقفين
الآشوريين بيان "إتحاد آشور الحرّة" في 28/07/1917 وعُرف بمنشور أورميا (Manifesto
Uremia) وجاء
هذا المنشور في عشرين فقرة كدستور للدولة الآشوريّة المنشودة، وقد بدا متطوّراً
أكثر من دساتير معظم دول الشرق الأوسط اليوم كونه اعترف بحقوق كافة القوميات
المتواجدة في آشور، وقد لاقى تأييداً من دول الحلفاء الذين عقدوا اجتماعاً خاصّاً
مع القادة الآشوريين من أجل بحث مشروع الدولة الآشورية، وكان ذلك في بداية عام
1918، وحضر الإجتماع ممثلون عن بريطانيا وروسيا وفرنسا ووعدوا فيه الآشوريين
بالدولة المستقلة بعد انتهاء الحرب، وهذا ما أكدّه القنصل الروسي في إيران فاسيلي
نيكيتين الذي مثل الجانب الروسي في ذلك الإجتماع حيث قال: "إنّ ممثل بريطانيا
شدّد في ذلك الإجتماع على منح الآشوريين الدولة المستقلة بعد الحرب لأنهم يستحقونها
بجدارة"(7) – وكانت تلك الإنطلاقة الفعلية وشكل رسمي، لمشروع
الدولة الآشورية لأوّل مرّة في تاريخ الآشوريين بعد سقوط نينوى عام 612 ق.م،
حيث تأسّس "المجلس القومي الآشوري" في مدينة أورميا الآشورية في إيران، ليكون
بمثابة الحكومة الآشورية لدولة آشور الحرّة ولكن ذلك لم يدُم طويلاً، فبعد أن
استغلّ الروس الروح القوميّة الآشورية لتحقيق انتصارات عسكرية في آذربيجان إيران،
نشبت ثورة لينين وانسحب الروس من الحرب فبقي الآشوريّون محاصرين من أعدائهم الأكراد
والإيرانيين والأتراك وقاوموا لعدّة أشهر حتى نفذت أسلحتهم، فاستغلت بريطانيا
الوضع هذه المرة(8) واستدرجتهم إلى سهول آشور التي ليست إلاّ
الجزء الأساسي من الوطن القومي الآشوري (شمال العراق الحالي).
وفي العراق تمّ إسكان آشوريي تركيا وإيران في مخيّمات
مؤقتة تعرّضوا فيها لهجومات عنيفة إثر الثورة العشرينيّة لمجرّد كونهم من أتباع
دين "المستعمر" وكان ذلك السبب الرئيسي في حذر الآشوريين من العرب واعتبارهم
"العدو الجديد" إلى جانب الأتراك والقبائل الكرديّة، فاستغلت ذلك بريطانيا وبدأت
بافتعال المشاكل بين الحكومة العراقيّة والآشوريين بعد أن انتهى دورهم في إخراج
الأتراك من شمال العراق إثر مواجهات دامية(9). وتتلخص فِتن الإنكليز بما سُمّي "مشروع الإسكان" بعد
أن رفضت تركيا بحزم عودة الآشوريين إليها في اتفاقيّة لوزان عام 1923، حيث ضُمَّت
الموصل عام 1925 إلى العراق بفضل الآشوريين، الوحيدين الذين صوّتوا لذلك أمام
لجان عصبة الأمم، وقد طالب الآشوريون بتجميعهم ضمن وحدة سكانية متجانسة نظراً
للأخطار التي يواجهونها بين قبائل الأكراد والعرب ولكن لم يلقَ الطلب الآشوري
آذاناً صاغية، بل تمّ إسكانهم في المناطق الموبوءة بالملاريا مما قضى على نسبة
كبيرة من الأطفال(10)، وتمّ إسكان القسم الآخر في أراضي غير
صالحة للزراعة وتحت رحمة الإقطاعيين الأكراد، وموزّعين في مناطق متفرّقة عن بعضهم،
وهذا كان حجّة الحكومة العراقيّة فيما بعد لرفض قرار عصبة الأمم بخصوص الحكم
الذاتي للآشوريين (11) وهكذا استمرّت بريطانيا بافتعال المشاكل
بين الآشوريين والحكومة العراقية إلى أن انتهى ذلك بمذبحة في آب- 1933 ذهب ضحيّتها
حوالي 4000 رجل وطفل وإمرأة وذلك على يد القوات النظاميّة العراقية بقيادة العقيد
بكر صدقي (الكردي) الذي رُقّي إلى رتبة لواء كمكافأة على ارتكابه المجزرة، وبمشاركة
القبائل العربية تحت شعار الجهاد وتحت الإشراف العلني المباشر من بريطانيا (12)
وتمّ
نفي البطريك مار إيشاي شمعون وعائلته إلى قبرص. وقابل ذلك هجمة إعلاميّة على الآشوريين في كافّة الصحف العربية،
وانهالت التهاني على الأمير غازي بن فيصل الأوّل الهاشمي الذي أمر بتنفيذ المجزرة
باعتبار أن الآشوريين "عملاء للإستعمار" متناسياً من الذي جلب عائلته من السعوديّة
لحُكم العراق، ومن الملاحظ أن هذه التهاني أتت بنغمة عروبيّة (قوميّة ظاهرياً)
... بينما في الحقيقة لم تأتِ إلاّ من طائفة "السنّة" حصراً بدون غيرها، هذا وقد
حاولت دول الحلفاء بعد المجزرة نقل الآشوريين من آشور إلى مناطق أخرى في العالم
بهدف إذابتهم في مجتمعات غريبة وكأنهم شعبٌ لقيطٌ لا وطن له، ولكن باءت هذه المحاولات
بالفشل بعد إصرار الشعب الآشوري على البقاء في أرضه. وقد بقي مشروع الدولة الآشورية حلماً بعد وعود الحلفاء خلال الحرب
العالمية الأولى، ونتيجة تلك الوعود اعتبر الآشوريون "عملاء" من قبل "الدخلاء"
الذين كانت معاملتهم السيئة السبب الرئيسي لإستنجاد الآشوريين بروسيا ثمّ بريطانيا،
علماً أنّ الآشوريون اتبعوا نفس الطريقة العربية
في التحرّر من العثمانيين، لا بل كانوا أقلّ ولاءً للإنكليز، ومن الجدير بالذكر
أنه حتى علماء النجف قد رحّبوا بالدخول البريطاني إلى العراق بعد هزيمة تركيا،
وقد أرسلوا التهاني إلى الملك جورج الخامس(13).
هكذا فإن قوى الأمر الواقع هي من يقرّر هويّة العميل،
وهي من يُشرّع العمالة للمستعمر ساعة يشاء، لدرجة أن الآشوري أصبح حذراً قبل
التفوّه بأية كلمة. فمن المحرّم عليه ذكر "الوطن القومي الآشوري" أو "الدولة
الآشورية المستقلة" وإلاّ سيصنّف رأساً في عداد "الصهاينة" و "العملاء"، فيما
يحق للدخلاء على وطنه القومي المجاهرة بحقهم بالدولة المستقلة، وقد نجحوا في
فرض مطالبهم على من يسمّون أنفسهم "وطنيين" من العرب.
2- الحركة القوميّة الآشورية تفتقر
إلى الفكر الثوري
لقد حذا أعداء الإتحاد السوفياتي حذوه بعد سقوطه، وذلك
في تطبيقهم للأمميّة التي فرضت نفسها لاعتبارات جغرافية - إقتصادية بغض النظر
عن الإنتماءات القوميّة، حيث نشأ الإتحاد الأوروبي الذي يجمع عدّة قوميات والذي
سيتحوّل بدوره إلى "الأمّة الأوروبية" تماماً كما "الأمّة الأميركية"، فيما
فشل العرب في تحقيق "الأمّة العربية" التي من المفترض أن تجمع من يعتبرون أنفسهم
عرباً من المحيط إلى الخليج، لا بل حتى فشلت دوَل الشرق الأوسط (عربية وغيرها) في تحقيق "الأمة" ضمن الدولة الواحدة (!)، وبذلك نستطيع
التأكيد على أن الشعوب الشرق- أوسطيّة المسيطرة على مواطن الآشوريين فشلت فشلاً
ذريعاً في تطبيق مستورداتها من الغرب فيما يتعلق بالنظريات القوميّة المتطوّرة،
وهذا الفشل يعاني منه العراق بشكل خاص حيث تعدّد القوميات والأديان. فيتطلع اليوم
الشرفاء من العراقيين إلى "تأميم" العراق، أي اعتبار العراق أمة كاملة قائمة
بذاتها وتجمع كافة القوميات والأديان لدرجة أن طرح البعض منهم سحب العراق من
جامعة الدول العربية، ويدعو البعض منهم أيضاً إلى الوسطيّة في الفكر السياسي
العراقي، أي إلى تصحيح الطروحات القوميّة لكل فئة بما يتناسب مع مصلحتها والمصلحة
الوطنية العامة... فيما بالواقع ينخر جسم العراق التعصّب الديني المتستّر وراء
شعار التسامح، والتخلف الفكري المتستّر وراء شعار الأخلاق والتقاليد الدينية،
والإنفصالية المتسترة وراء شعار الفدرالية... والشعب العراقي وساسته على أتمّ
المعرفة بذلك، وبشكل خاص الشعب الآشوري وساسته الذين يستمرّون برفع الخطاب الوطني
العراقي – والكردستاني !!! - فوق الخطاب القومي الآشوري وعلى حساب القوميّة الآشورية.
مع زوال النظام الذي تلصَق به اليوم كافة الجرائم في
العراق، برزت النوايا الحقيقيّة لدى كافة الأطراف السياسيّة العراقية، وقد سبق
أن برزت هي هي في مؤتمر لندن المشؤوم الذي عقدته المعارضة العراقيّة في كانون
الأوّل 2002،
فبعد تأسيس مجلس الحكم لوحظت العبارات نفسها التي استعملت في مؤتمر لندن والتي
لا تناسب تركيبة الشعب العراقي، كذكر العرب بأسماء طائفية (السنّة والشيعة)
والآشوريين بعبارة "مسيحيين" أو "شعوب كردستان" بينما يُذكر الأكراد وحدهم بإسمهم
القومي، علماً أنهم "سنة وشيعة" كما العرب!! كما نلاحظ بأنّ بيانات المجلس الجديد
تأتي بألحان إسلامية... كعبارة "بسم الله الرحمن الرحيم" في بدايتها وهذا يناقض
مفهوم العلمانية الذي يدّعي به أغلب أعضاء مجلس الحكم، وقد جاء في بيانه المؤرَّخ
22/07/2003 في الفقرة/3/: " إحترام الهويّة الإسلامية لغالبية الشعب العراقي..."
بدون ذكر باقي الأديان (مسيحيين، يزيديين، يهود، صابئة...) والتي جميعها عراقية
قبل
ظهور الإسلام.
إنّ صراع الحضارات والأديان
ما زال مستمراً في عموم منطقة الشرق الأوسط، كما في العراق حيث يتهدّد الشعب الأصيل اضطهادُ ديني
في ظلّ مشروع فرض الإسلام، وإضطهاد قومي في ظلّ المشروع الكردي الذي أصبح الخطر
الأكبر على القوميّة الآشورية منذ بداية الحركة القوميّة الكردية في القرن العشرين...
فأميركا تسكت على المشروع الكردي ليبقى عصاً أميركية تهدد بها العرب في العراق
وبذلك تثير الفتن لتبرر استمراريّة وجودها، والدول العربيّة تسكت عن المشروع
الكردي في العراق لمجرّد كونَ مهندسيه إسلاماً سُنّة، وإيران تدعم أسلمة النظام العراقي لمجرّد
كون الأغلبية شيعيّة، والعرب السنّة ينتظرون عودة صدّام أو "المخلص" السُّني
الهاشمي ... بينما يسعى الآشوريون إلى التقرّب من جميع هؤلاء ومِن ضمنهم مَن لا يحترمون
الخصوصيّة الآشورية والمعتقدات الدينية والقومية للشعب الآشوري، ومنذ رحيل رموزها (الملك ياقو اسماعيل، مار إيشاي شمعمون...
وغيرهما) أصبحت الحركة القوميّة الآشورية "خاضعة" ومُستسلمة في مواجهة محيطها
المتخلف ممّا أثر على مسارها في الحاضر، وكذلك سيؤثر على مسارها في المستقبل.
-
لماذا يتعاون الآشوريون مع القبائل الكردية
في جبهات سياسية تطمح إلى إنشاء كيان كردي على الأرض الآشورية؟
-
لماذا نسمع عبارة "الحركة التحررية الكردية"؟
أو "التحررية الفلسطينية"؟ ولا نسمع عن حركة "تحررية" آشورية؟
-
لماذا يتكلم الكردي والفلسطيني عن وطن
مستقل، بينما كتب على الآشوري التغنّي بالوئام والأخوة علماً أنه يُدرك جيّداً
بأنه محاط بأعدائه؟
-
لماذا وصلت الأيّام بالآشوري لأن يتسوّل
بمطالبة الآخرين بمجرّد الإعتراف بقوميّته ؟؟ وعلى
أرضه التاريخيّة ؟!!!
إن مُجَرّد طرح هذه الأسئلة يُعطي القارئ فكرة عن مستوى
الإنحطاط التي وصلت إليه الحركة القوميّة الآشورية في العصر الحديث، ناهيك عن
المواقف الضعيفة للساسة الآشوريين أمام باقي التيارات العراقية وقد تأكد الرأي
العام الآشوري من ذلك بدءاً من العام 1991، ممّا قد يؤدّي إلى العزلة السياسة
عن المهجر حيث القوّة الحقيقيّة للآشوريين، والتي من خلالها يمكن فرض القضيّة
الآشورية في المعادلة العراقية كمعضلة حقيقية على الساحة.. وهذا ما لم يحصل بتاتاً.
وهذا الإنحطاط هو نتيجة تعدّدية القرارات ولا يقع
اللوم هنا على
جهة بدون غيرها، فالكلّ يُلام كون الحركة القوميّة الآشورية بشكل
عام تعاني مرضاً مزمنا ألا وهو الفشل في
برمجة خطابٍ سياسي موحّد.
3-
العوامل المؤثرة
سلباً على مسار الحركة القومية الآشورية
أ-
العوامل الخارجية:
* العامل الديني: لو نظرنا
إلى القضيّة الآشورية من بعيد، للاحظنا ب |