[ Post Response ] [ Return to Index ] [ Read Prev Msg ] [ Read Next Msg ]

Bet-Nahrain Forum

The Assyrian Affair- a historical document

Posted By: Ashur Beth-Shlimon (adsl-68-72-142-47.dsl.chcgil.ameritech.net)
Date: Tuesday, 14 March 2006, at 6:38 p.m.

Dear all:

Please read the following article, ' the Assyrian Affair' of 1933 which was published by the Al-Massarah Catholic Magazine ' in Beirut, Lebanon.

Ashur Beth-Shlimon
____________________________________

حول مسألة الآشوريين

الأقليات في بلاد الانتدابات*

______________________________بقلم الأب الياس اندراوس البولسي

حملت لنا الأخبار الأخيرة أن مسألة الآشوريين قد انتهت أو كادت بعد أن مثل العراق أمام جمعية الأمم مرفوع الرأس، طاهر الذيل لأن "ياسين باشا الهاشمي رئيس الوفد العراقي قد أبدى تصريحات خطيرة مؤيدة بالوثائق والحجج فأثبت أن تبعة الحوادث تقع على الآشوريين أنفسهم، ولكنه اعترف في الوقت نفسه بأن الفريقين قد ارتكبا بعض الحوادث الشاذة، ووعد بمساعدة الحكومة العراقية لتسهيل إسكان الآشوريين في خارج العراق لأن إسكانهم في العراق الآن لا يخلو من الخطر 1"
ولا ريب في أن قسماً كبيراً من وثائق ياسين باشا هذه إنما هي البرقيات والتصريحات العديدة التي رفعها فريق من الآشوريين أنفسهم إلى بغداد أو إلى جنيف، والتي نشر حضرة قنصل العراق العام البعض منها في الأهرام الغراء ومنها أخذتها بعض الصحف اللبنانية والسورية وهكذا:

حضرة رئيس تحرير "الأهرام"

بعد التحية - أتشرف بأن أرسل لحضرتكم في طيه صورة البرقيات المرفوعة لجلالة الملك المعظم وللمقامات العالية في بغداد من رؤساء الطوائف المسيحية والآشورية معربين فيها عن إخلاصهم للعرش الملكي السامي وتأييدهم المقرون بالشكر للحكومة العراقية في خطتها الأخيرة حيال حادث الآشوريين الأخير للتكرم بنشرها في جريدتكم الغراء وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

قنصل العراق العام
___________________________
*نشر هذا المقال لأول مرة في "مجلة المسرة" لسان حال الكنيسة الكاثوليكية في بيروت - لبنان - الجزء التاسع والمؤرخ في تشرين الثاني 1933

بغداد - جلالة الملك المعظم
مكرر رئيس الوزارة الجليلة

نحن رؤساء الأكثرية الآشورية نتشرف ونرفع للسدة الملكية إنكارنا وبراءتنا من الفئة الآشورية الباغية التي كفرت بأنعام جلالتكم وحكوماتكم المتعاقبة والشعب العراقي النجيب ونرى واجباً علينا أن نرفع لجلالتكم وحكومتكم الموقرة شكرنا وأريحيتنا بالأعمال التأديبية الباهرة التي قامت بها قوات الدولة وتطهير قطرنا العزيز من عناصر اللؤم التي تريد الفتك في بناء الوحدة العراقية.
المطران يولاها . القس اوديشو . القس هرمز . رئيس يوخنا . . . الخ الخ

برقية من دهوك في 22/8/1933
حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم - بغداد
نحن أبناء ورؤساء الأكثرية الآشورية نتشرف ونرفع للأعتاب الملوكية استنكارنا لأعمال الفئة الآشورية الباغية. ونعلن براءتنا من تلك الفئة ونرى واجباً علينا أن نرفع لسدتكم الملكية وحكومتكم الجليلة شكرنا وارتياحنا للأعمال التأديبية التي قامت بها قوات الدولة وتطهير بلادنا العزيزة من عناصر الفساد والشر التي قصدت هدم بناء الوحدة العراقية المقدسة.
صورة منه إلى فخامة رئيس الوزراء - بغداد
من رؤساء عشيرة البازي الرئيس خيدو بن دانيال، حنا ميخائيل بازي الخ.
الموصل في 20 آب سنة 1933 - بغداد - جلالة الملك المعظم
إن اجتماعنا الآن من رؤساء الأديان الثلاثة ومختلف الطوائف والشيوخ وأعضاء الهيئات التمثيلية والمحلية على مائدة معالي وزير الداخلية حكمت بك سليمان ليس إلا مظهراً صميمياً من مظاهر الوئام الطائفي والتضامن الوطني وقد استدرجنا الشعور الوطني الفياض إلى عرض الإخلاص لسيد البلاد ... وليست حوادث عصابة التياريين المؤسفة سوى تخبط طائش منهم انتهى في مجراه القانوني إلى أخذ نصيبه العادل من الجزاء وإنما يؤلمنا أن نجد بعض ذوي الأغراض يحاول اتخاذ هذه الحوادث وتأججها ذريعة للفت في عضد التكاتف الوطني ...
أحمد الجوادي . يوسف عمانوئيل بطريرك الكلدان . مفتي الموصل حبيب العبيدي . اصف وفائي . أحمد البارزاني . عجيل الياور . المطران توما . النقيب عبد الغني . ضياء يونس . سعيد جلميران . المطران جرجس الخ.

تلك هي الحقائق "الرسمية" كما بسطها ممثلو العراق أمام جامعة الأمم في جنيف وكما روتها بعض الصحف ممن قد أخذوا في هذه الأقطار بهوس الجامعة العربية أو الوطن العربي. أما الحقيقة "غير الرسمية" الحقيقة الواقعية المؤلمة فهي أن الآشوريين قد ذبحوا ذبح النعاج وأن الحق الذي لكل إنسان على ماله وعرضه ووطنه قد هُضم معهم على شكل بربري فظيع. وإن مسألتهم هذه قد أثارت ويجب أن تثير معضلة للأقليات في جميع البلاد الشرقية المشمولة بانتداب أوربي. فإذا رأت جامعة جنيف وإذا رأى أقطاب السياسة الدولية فيها أن يكتفوا بالحقائق "الرسمية" المشوهة ويغضّوا الطرف عن الدماء البريئة المصطبغة بها أرض العراق، فلا شيء يضطرنا نحن أن نجاريهم في ذلك ونسكت إزاء جو مكفهر بالغيوم ومستقبل ينبئ بأفظع الويلات.
الآشوريون طائفة مسيحية لا يتجاوز عددها الآن أربعين أو خمسة وأربعين ألف نسمة، والساكنون العراق منهم لا يتعدون عشرين أو خمسة وعشرين ألفاً على الكثير 1 يرتقي أصلهم إلى الشعب الآشوري القديم، إلى سكان مملكة نينوى العظمى إلى نحو ألفي سنة قبل المسيح. وهم اليوم على مذهب نسطوريوس يخضعون لبطريركهم مار شمعون وهو شاب بعد لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره.
وكانت سكناهم قبل الحرب في جبال حكاري وكردستان في البقعة الشمالية من بلاد الموصل. وقد تطوعوا لخدمة الحلفاء أي انكلترا وروسيا مدة الحرب الكبرى، فحاولوا دون هبوط الجيوش التركية من الجبال العالية إلى سهول العراق وبذلك كانت لهم اليد الطولى في انتصار الجيوش المتحالفة ولا سيما البريطانية منها واحتلالها للعراق. وقد حرصت انكلترا على ولاء اولئك الجنود الأشداء البواسل فألفت منهم منذ بدء الاحتلال حتى هذه السنين الأخيرة جيشاً وطنياً تحت قيادة البريطانيين أنفسهم، فكان لهم الفضل الأكبر في توطيد الأمن في تلك
_________________________
1 - إن تعداد الآشوريين ليربو بكثير على ما ذكره الكاتب سهوا، إذ الآشورية تشمل كل من الطوائف المسيحية من سكان المثلث الآشوري أي اليعاقبة، الكلدان والنساطرة. ملاحظة محرر القسم العربي للمجلة - آشور بت شليمون.

الربوع كلها. فشاءت انكلترا أن تعترف لهم بجميلهم معها ولا سيما انتصارهم لها مدة الحرب الكبرى، فتعهد اللورد كورزن في 17 كانون الأول 1919 بوطن قومي مستقل يعيشون فيه بسكينة وأمان في ظل زعمائهم وبطريركهم. ثم تغافل الأنكليز عن مواعيدهم هذه الشيء بعد الشيء وشعر الآشوريون أن الحكومة المركزية في بغداد ضامرة لهم الشر. وقد قتل منهم 79 شخصاً بين 1926 و 1929 فلم تكترث الحكومة لمصرعهم، ولعلها عملت على اخفاء المجرمين. فاحتج البطريرك للمفوض السامي البريطاني السير فرنسيس همفريس طالباً الأمن والعدل، ولفت نظره إلى ما يتهدد أبنائه من المخاطر الكثيرة إذا تخلت بريطانيا العظمى عن انتدابها في العراق. فكان الجواب أن النفوذ البريطاني سيكون بعد المعاهدة أبعد أثراً وأشد قوة مما هو عليه الآن. وإن المعاهدة على كل حال ستكفل للأقليات حقوقها كاملة. فليس ثم من داع إلى المخاوف والاضطراب.
صرّح نوري باشا السعيد رئيس الوزارة في 12 تموز 1932 أمام جمعية الأمم أن حكومته "تكفل حياة سكان العراق وحريتهم على اختلاف القوميات واللغات والعناصر والأديان". وعلى هذا أبرمت المعاهدة ورفع الانتداب ودخل العراق جمعية الأمم.
على أن فريقاً من الساسة العراقيين قد نقم على الآشوريين منذ أمد بعيد، إذ أنهم قد خدموا الحلفاء والاحتلال، وهذا عند البعض ذنب لا يغتفر، لأنه في مصلحة الأجنبي ومن ثم خيانة للوطن. ثم أن بريطانيا العظمى قد عاهدت الآشوريين على إعطائهم بقعة من الأرض يعيشون فيها بأمان. وقد وصل الغرور ببطريركهم إلى حد المطالبة بهذه الوعود. وهذا أيضاً لا يمكنه أن يكون. لذلك وجب الإيقاع بهؤلاء الآشوريين المزعجين وتحين الفرص للقضاء عليهم مهما كلف الأمر.
وكان أن طلب البطريرك طلب الاستقلال الذي وعدوه به. لكنه لم يجد بطبيعة الحال من آذان صاغية في دوائر الحكومة العراقية. فاقتصر على طلب الاستقلال الإداري. فلم يكن من مجيب. أخيراً اكتفى ببعض ضمانات فعالة تصون حقوق شعبه. فلم يكترث له أحد. وجل ما هناك أن العراق سجل على نفسه بعض مواعيد في جامعة الأمم ووقع بعض قصاصات من الورق حفظتها الجامعة في خزائنها.
أما في العراق فقد رأى أولياء الأمر ما خلا الملك فيصلاً أنه لا بد من القضاء على الآشوريين وقلع تلك الشوكة من عين الدولة العربية. فأرسلوا إليهم فريقاً من الأكراد منذ سنة 1932 يشاركونهم السكنى في مناطقهم بحجة أن الرعية واحدة والوطن واحد فلا بد من اختلاط عناصره المختلفة توثيقاً لعرى المحبة والألفة فيما بينهم. ثم اقطعوا زعماء الأكراد البقعة الخصبة من المنطقة فملّكوهم نحو ثلثيها. ولم يقتصروا على هذا بل أخذوا يشتتون شمل الآشوريين في جميع الأنحاء وعملوا على إلقاء بذور الخلاف بين زعمائهم (وهم يسمّون عندهم ملوكاً كملك قنبر وملك شابو الخ) فقامت الخصومات فيما بين هؤلاء الزعماء أو الملوك.
وآخيراً أقرّت الحكومة تجريدهم من أسلحتهم وتوزيع البقية الباقية منهم على مقاطعات الدولة على حد ما فعل الأتراك مع زعماء سوريا مدة الحرب الكبرى إذ شتتوا شملهم في قرى الأناضول. فأبى الآشوريون الخضوع لمثل هذه الخطة الجائرة وقرروا الذود عن حرياتهم وحقوقهم، ولو اضطرهم الأمر إلى مقاومة الدولة.
على أن فريقاً منهم نزحوا بأسلحتهم إلى الحدود السورية إلى الجزيرة العليا حيث سلّموا أسلحتهم إلى الفرنسيين. وقيل أن عددهم قد ناهز 1300 إلى 1500. فتعقبهم الجيش العراقي وطلب من الفرنسيين إرجاع النازحين إلى أوطانهم. ولبثت المفاوضات بين الفريقين باشتراك أحد الضباط البريطانيين نحو يومين فتعهد العراقيون خطياً أنهم لا يمسون الآشوريين بأذى بل يتركون لهم أسلحتهم على أن يخلدوا إلى السكينة ويعودوا إلى أوطانهم، أو ينقلوا أمتعتهم ويعودوا إلى المنطقة الفرنسية. وعلى هذا فقط خاض النازحون نهر دجلة قاصدين الضفة العراقية، وإذا بالجيش العراقي موقِّع التعهدات يباغتهم في وسط الماء بنار حامية من البنادق والرشاشات. فشعر الآشوريون عند تحقق الخيانة. وشعروا أنهم إذا عادوا على أعقابهم سقطوا عن آخرهم، فشجع بعضهم بعضاً وقطعوا النهر تحت وابل من الرصاص وهاجموا الجيش كلأسود فدُحر أمامهم وانكسر شر كسرة. وقيل أن عدد القتلى بلغ نحو 70 رجلاً من الآشوريين وعدة مئات من الجنود العراقيين.
فثار ثائر الوزارة إذ وردتها أنباء هذا الانكسار وأعلنت الجهاد للقضاء على الآشوريين. وحكاية الجهاد معروفة في هذه الأقطار. فهو الحرب الدينية تُشهر على أعداء الدين، ولا شر من الحروب متى اشتعلت بنيران الغيرة الدينية. فكانت النتيجة أنهم لم يشفقوا على الأطفال ولا على النساء. وإن الدماء البريئة سالت في جميع القرى التي وجد فيها فريق من الآشوريين. وقيل أن الأكراد والجيوش المنظمة قد هاجموا على هذا النحو 32 قرية وقيل 50 فأعملوا فيها السيف والنهب والحريق.
وقد كتب المراسل اللندني لجريدة الطان واصفاً هذه المجزرة قائلاً:
"على أن المدة لم تطل حتى انتقم الجيش العراقي لنفسه من الانكسارات التي لحقت به ... فدخلوا القرى بعد أن جردوها من سلاحها وجمعوا الآشوريين وقتلوهم بالحراب والعصي والسيوف. وحبسوا غيرهم في المساكن وقضوا عليهم برصاص الرشاشات من النوافذ. والمسؤول عن هذه المذابح هو رجل يدعى بكر صدقي بك الذي منحوه لقب باشا بعد "انتصار" الجيش العراقي وعودته إلى بغداد. وقد ساعده في عمله هذا ضابط يدعى الحاج رمضان. وهذا أيضاً قد رُفعت رتبته بعد عودته منتصراً" إلى العاصمة.
"وكانوا قد أصدروا الأوامر إلى القائمقامين والحكام المحليين فألفوا فرقة من متطوعي الأكراد وأمروهم سرّا أن يفتكوا بجميع المسيحيين2. فبلغ عدد الآشوريين الذين ذبحوا هكذا بين 700 إلى 1000 رجل، على كونهم لم يثوروا على الحكومة ولا اشتركوا بمهاجمة جيشها ... ولا يزال الأكراد المتعصبون مواصلين حتى الآن النهب والانتقام في الجبال النائية3"
وكتبت أيضاً جريدة "جورنال دي جنيف" قائلة:
"وكل يعرف سائر فصول هذه المأساة. فإن جماعات وافرة من الآشوريين شعروا بخطر موقفهم فلجأوا إلى سوريا. ولما عادوا لينقلوا عيالهم اصطدموا بالجيش العراقي فحدثت مذابح مريعة في القرى الآشورية الواقعة شمالي الموصل حيث أعملت السيف كتائب من الجيش النظامي، تحت قيادة بكر صدقي بك، في رقاب نحو ألفي آشوري. وقد شهد المستر آرنست ماين، مراسل الدايلي مايل بأنه رأى بأم العين في كنيسة سمل أطفالاً قد قتلوا ثم أريق عليهم البترول وحُرقوا."
________________________
2 - وفعلاً قد ساورت المخاوف منطقة الموصل كلها لولا تدخل أحد القناصل وتهديده لمتصرف اللواء لما سلم المسيحيون من مجزرة عامة.
3- نقلاً عن جريدة "الأوريان" بتاريخ 21 تشرين الثاني 1933.

"هذا وإن ياسين هاشم، وزير المالية، وخال بكر صدقي بك الذي رقي إلى رتبة باشا مكافأة له على هذا الفوز، سيدافع أمام جامعة الأمم عن حكومة العراق، مدعياً أن هؤلاء الأربعين ألفاً التعساء المشتتين العزّل كانوا يتآمرون على سلامة الدولة!"
"أما الحقيقة فهي أننا شاهدنا مظهراً جديداً لانفجار التعصب الديني. فإن الجهاد، أي الحرب الدينية، قد أعلن في بغداد ضد الآشوريين وقد أوشكوا أن يستأصلوا على بكرة أبيهم." (عن البشير 26 تشرين الأول 1933).
لقد حاولت حكومة العراق إنكار الحوادث المؤلمة التي ملأت أخبارها أقطار العالم بأجمعه. وإذ رأت أن الرأي العالمي ثار للدماء البريئة، منتصر للأقليات المظلومة، حاولت إلقاء تبعة أعمالها على الآشوريين وبطريركهم. فالبطريرك في نظرهم رجل مشاغب مثير للبلابل والاضطرابات، ترأس فئة قليلة من شعبه لزرع بذور الفتنة في البلاد، في حين أن الأغلبية الساحقة من الآشوريين موالية للحكومة، محبذة لأعمالها ناقمة على بطريركها وأنصاره. فما لك إلا أن تتصفح البرقيات العديدة التي تواردت على جلالة الملك فيصل وعلى جلالة الملك غازي ليتأكد لك أن الحكومة طاهرة الذيل مما نسب إليها، وإن الحق كله على البطريرك وأعوانه.
هكذا تتكلم حكومة العراق. وهكذا فعل مندوبوها في جنيف. على أن برقيات الولاء والاحتجاج هذه قد تجوز على سكان واشنطون أو باريس أو لندن، لا على من عاش في هذه الأقطار فعرف كيف تنظّم العرائض وتوقَّع البرقيات، ولا سيما ممن هم رؤساء مسؤولون عن شعوبهم، أو زعماء يوقعون العرائض تحت الضغط الشديد، والتهديد المخوف، أمام شبح المشنقة أو الرصاص، أو ظلمات السجون، أو حريق البيوت وسبي الأطفال وهتك الأعراض. وإذا كان لنا أن نتعجب هنا فليس لأن حكومة العراق قد عمدت إلى مثل هذه الوثائق تبريراً لساحتها، وإنما العجب من بعض الصحف العربية في هذه الأقطار كيف تعتمد تلك الوثائق لتبرر سافكي الدماء وتجرم ضحايا التعصب الذميم. ومحرروها أبناء البلاد أدرى من غيرهم بقيمة العرائض وبرقيات كهذه منظمة في مثل هذه الأحوال4.
فالعراق مسؤول عن مذابح الآشوريين مهما حاول الإنكار. وإذا قلنا العراق فلا نعني الملك فيصلاً لأن فيصلاً كان أرقى خلقاً وأوفر ذكاء وأدق سياسة من أن يثير لنفسه متعبة كهذه.
_________________________
4 - لاحظ مثلاً من نص برقية الطوائف نفسها المنقولة في بدء هذا المقال كيف أرسلت على أثر وليمة أقامها وزير الداخلية لموقعي البرقية.

ونحن نعلم أنه أكر على وزرائه وعلى شركائهم كباراً وصغاراً ما أتوه من أعمال جائرة في حق الآشوريين وبالفعل نفسه في حق العراق وطنهم. فعاد إلى العراق رغم مرضه على أمل أن يرتأ الخرق فلم يفلح. فعاد إلى أوربا وهو مكسور الخاطر فقضى ضحية ما اعتراه من شجون وآلام.
ففيصل بريء من دم الآشوريين على أن حكومته ليست بريئة منه، بل هي المسؤولة تجاه الرأي العالمي عن الدماء المهدرة ومعها كل من شاركها في بث الدعوة لرجالها. وأنها لو شاءت لكان لها من جيوشها المنظمة وعددها الحربية ما هو كاف لوضع حد للمجزرة. لكنها رأت بعكس هذا أن تضفر الأكاليل لجنودها وتقيم لهم أقواس النصر وتفيض على قوادهم نعمها ورتبها. ولا غرو فأنهم ما كانوا إلا منفذين لأوامرها العالية.
على أن الذنب كله ليس على العراق ولا ريب في أن لبريطانيا العظمى حصتها منه كبيرة وافرة. لأنها ما راعت في هذا الأمر غير مصلحتها الخاصة فداست مصالح الأقليات، مع أن الانتدابات ما وُضعت إلا تأميناً لحقوق طوائف الأقلية. لكن الانتداب في العراق ثقل على بريطانيا فرأت أن تتخلى عنه مقابل معاهدة ترفع عنها ما في الانتداب من أعباء وتترك لها ما فيه من منافع. ثم خدّرت الرأي العام بتصريح من مندوبها السامي إذ قال في جنيف: "إن حكومة جلالة الملك عالمة حق العلم بالمسؤولية التي تتحملها إذ توصيكم بقبول العراق في جامعة الأمم ... على أنه إذا ثبت أن العراق غير أهل للثقة التي وضعت فيه فإن المسؤولية الأدبية تعود إلى حكومة جلالته" - وأيضاً "في وسع السير فرنسيس همفريس أن يؤكد للجنة أنه في مدة الثلاثين سنة التي قضاها في الأقطار الإسلامية لم يجد في بلد من البلدان ما وجده في العراق من التساهل والتسامح إزاء بقية العناصر وبقية الأديان 5". وقد قال أحدهم عند مطالعة هذا التصريح: إن قائله قد عاش في هذه البلاد إما أعمى أو أطرش، على أنه لم يدرك شيئاً مما حواليه. وعلى كل فإن هذه الأقوال تثبت بلا ريب مسؤولية بريطانيا العظمى التي أسرعت في تحرير العراق قبل أن تضمن حقوق الأقليات بالوسائل الفعالة.
____________________________________
5- Commission des Mandats, Proces verbal de la xxe session, Juin 1931, p. 134.
كل هذا قد أثار ضرورة مسألة الأقليات في البلاد المشمولة بانتداب أوربي. ومعضلة الأقليات معضلة خطيرة ليس في وسع الدول أن تتجاهلها. فنحن في هذه الأقطار شعوب وأمم مختلفة متباينة النزعات والأخلاق، ليس بينها من رابط وطني بالمعنى الذي يعنونه في بلاد الغرب. وإنما الرابط الذي يجمع بين العناصر الشرقية هو الرابط الديني أو الطائفي أو الجنسي. فأبناء الدين الواحد أو الطائفة الواحدة، أو العنصر الواحد كالأكراد أو الشركس، هم أبناء الوطن الواحد.
وقد تكون هذه النظرية فاسدة في أعين الغربيين، وقد تدل في نظرهم على تأخر وعدم نضوج سياسي، وقد يرغبون إذن في تعديلها ليصبغوا الشرق بصبغتهم الغربية، فكل هذا لا يمنع الحقيقة من أن تكون. والحقيقة الواضحة التي لا ريب فيها ولا جدال أننا في هذه الأقطار لا نعرف بعد ما هو الوطن أو بالحري لا نعرف لنا من وطن إلا ديننا أو طائفتنا، النصراني والمسلم والدرزي والكردي والآشوري وبقية الطوائف كلنا على حد سواء.
فتلك حالة نفسية لا تتغير في سنة ولا سنتين، ولعلها تبقى على حالتها عشرات من السنين، ولعلها لا تتعدل في أجيال. فلا سبيل إذن إلى غض الطرف عنها، وليس لحكومة من حكومات الانتداب أن تتغافل عنها إرضاءً لخاطر فئة من الفئات مهما كثر عدد هذه الفئة أو اشتد بأسها. اللهم إلا إذا صرنا إلى ما صارت إليه الأقطار الأوروبية والأمريكية حيث الكاثوليكي والبروتستاني واليهودي واللاديني كلهم فرنسيون أو أمريكيون أو بريطانيون. وهذا إذا صح أن تلك الشعوب قد صارت حقيقة وفعلاً إلى الدرجة التي يزعمون. لأننا نعلم لما يسمونه نعرة دينية تأثيره عندهم كما عندنا، ولعل هذا التأثير أكثر بكثير مما يخيّل للبعض. وإن عهدنا ليس ببعيد بما أثارته الخلافات الدينية من بلابل ومظالم بين إنكلترا وارلندا، ولا بما تثيره الآن في تشكوسلوفاكيا أو بولونيا أو بلاد اليونان أو ألمانيا خصوصاً. ثم أننا لم ننس بعد أن القسس البروتستان من نحو خمس سنوات قد حملوا حملات أشعبية علىالمستر سميث الذي رشح نفسه لرئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة ام الحرية وموطن التساهل الديني، فحزّبوا عليه جماهير الناخبين "لأنه كاثوليكي" ويجب "إلا يحكم كاثوليكي في أمريكا "البروتستانية".
ومهما يكن من الأمر فأن الذي يهمنا هنا هي بلادنا. ونحن لا نزال في هذه البلاد مصطبغين بالصبغة الدينية والطائفية قبل كل شيء. أما كلمة "الوطن" وأما الدعاية الواسعة المنظمة باسم "القومية العربية" فهذا ذرور يرشونه على العيون، ورماد يحاولون به إخفاء الحقيقة أو علاج لتخدير الأعصاب. فما "القومية العربية" وما "العنصر العربي" إلا نغمة دينية تحت برقع سياسي. وإلا فما السر في أن الثورات التي تقوم باسم الوطن في هذه البلاد تبتدئ كلها وتنتهي، حتى ثورتي 1920 و 1926، بسفك دماء فئة معلومة من أبناء هذا الوطن فضلاً عن حرق بيوتهم ونهب أملاكهم.
ثم كيف نعلل ما طلعت به علينا الجمعية التأسيسية السورية يوم وضعت دستور البلاد ونصّت على أن دين رئيس الجمهورية هو حتماً دين فئة واحدة من أبناء الوطن، فأقفلت باب الرئاسة في وجه جميع الأقليات الدرزي واليهودي والمسيحي، بلا مناقشة ولا جدال. وكل يعلم أن الجمهوريات في جميع بلاد الناس قائمة مبدئياً على حرية الانتخاب والمساواة بين جميع فئات الشعب، المساواة في الحقوق والمساواة في الواجبات. وأنه لمن التناقض الفاضح أن يرتضي بلد بالحكم الجمهوري، وتختص الرئاسة مبدئياً بفئة دون أخرى. على أنهم عبثوا بهذا كله غير مكترثين. ولعلهم لم يروا في ما أتوا إلا كل منطق وكل أمر طبيعي. لذلك حق لنا أن نعجب من فريق منا كيف يؤخذون بخداع دعاية كاذبة كتلك التي يبثها البعض باسم الوطن أو العروبة، وما الوطن في نظرهم إلا لفريق من الناس، وما العروبة إلا لدين واحد من الأديان. ولله درّ إحدى صحف المهجر إذ قالت:
"كل ما أراه نفر من إخوان لي في الوطنية والجنس والمعتقد مأخوذين برنين الألفاظ وخلابة التعاريف كقولنا: "استقلال، حرية، سيادة وطنية، عزّة قومية، وما جرى مجرى هذه الألفاظ الفضفاضة!".
"ولكنني أسأل لمن كل هذا يا إخواني؟ فيجيبون إنه للوطن وأهله، متجاهلين، خرقاً وهوساً، أن الوطن الذي يعنونه إسلامي بإرادة الأكثرية الساحقة، وهم مسيحيون وكمسيحيين لا يمكنهم أن يكونوا شركاء فيه، والذي لا يكون شريكاً فهو أجير. ومنطقهم منطق شريك في محل تجاري لا شأن له بإدارته ولا رأي له في خطته ولا اسم له في عقده المسجل، ولكنه شريك اعتماداً منه على وعد صاحب المحل وشهامته، فيفرض على العقلاء الذين قتلوا الأيام درساً واختباراً يمالئوه ويقولوا معه أنه شريك!" (عن البشير 12 تشرين الأول 1933).
فالأقليات والحالة هذه لا تطمئن إلى نظام سياسي ما لم يكفل لها حقوقها بوجه صريح محسوس فعّال، أقله ما كان أساسياً منها، حقها على أملاكها وتعب أيديها، وحقها على الحريات الشخصية والدينية، وحقها على المساواة تجاه القانون، وحقها على الحياة. ومثل هذه الحقوق لا تُكفل بمعاهدات وتوقيعات تُسجل على قصاصة من ورق. فان المعاهدات لم تفد الآشوريين شيئاً، فلا احترمت أملاكهم ولا صانت أعراضهم ولا كفلت لهم حياتهم. فلا نريد بدورنا أن نعزّى بمعاهدة تتجدد معها مثل هذه المأساة. بل نريد وسائل فعّالة محسوسة أي العصا التي تؤدب والشرطي الذي يخيف. يعني بصريح الكلام، وما دامت وضعية البلاد على ما هي الآن، لا تطمئن الأقليات بالاً إلا إذا أحست إلى جانبها بدولة قوية تصون حرياتها وتكفل لها حقوقها. وكل حل آخر لمعضلة الأقليات إنما هو جريمة إليها لا تغتفر. والسلام

Password:

[ Post Response ] [ Return to Index ] [ Read Prev Msg ] [ Read Next Msg ]

Bet-Nahrain Forum is maintained by Administrator with WebBBS 5.12.